ابن قيم الجوزية

653

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أي هذه الهمة أعلى من أن يتعلق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال والواردات ، أو يتعلق بالمعاملات . وليس المراد تعطيلها . بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها ، والتعلق بها . ووجه صعود هذه الهمة عن هذا : ما ذكره من قوله « وتزري بالأعواض والدرجات ، وتنحو عن النعوت نحو الذات » أي صاحبها لا يقف عند عوض ولا درجة . فإن ذلك نزول من همته . ومطلبه أعلى من ذلك . فإن صاحب هذه الهمة قد قصر همته على المطلب الأعلى ، الذي لا شيء أعلى منه . والأعواض والدرجات دونه . وهو يعلم أنه إذا حصل له فهناك كل عوض ودرجة عالية . وأما نحوها « نحو الذات » فيريد به : أن صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال والأسماء والصفات . بل الذات الجامعة لمتفرقات الأسماء والصفات والأفعال . كما تقدم . واللّه أعلم . منزلة المحبّة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « المحبة » . وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون . وإليها شخص العاملون . وإلى علمها شمر السابقون . وعليها تفانى المحبون . وبروح نسيمها تروّح العابدون . فهي قوت القلوب ، وغذاء الأرواح ، وقرة العيون . وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات . والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات . والشفاء الذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام . واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام . وهي روح الإيمان والأعمال ، والمقامات والأحوال . التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه . تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشقّ الأنفس بالغيها . وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها . وتبوّؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها . وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائما إلى الحبيب . وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب . تاللّه لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة . إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب . وقد قضى اللّه - يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة - : أن المرء مع من أحب . فيا لها من نعمة على المحبين سابغة . تاللّه لقد سبق القوم السعاة ، وهم على ظهور الفرش نائمون . وقد تقدموا الركب بمراحل ، وهم في سيرهم واقفون : من لي بمثل سيرك المدلل * تمشي رويدا ؟ وتجي في الأول أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم : حيّ على الفلاح . وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم ، وكان بذلهم بالرضى والسماح . وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح . تاللّه لقد حمدوا عند الوصول سراهم . وشكروا مولاهم على ما أعطاهم . وإنما يحمد القوم السّرى عند الصباح : فحيّهلا ، إن كنت ذا همة فقد * حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا وقل لمنادي حبهم ورضاهم * إذا ما دعا « لبيك » ألفا كواملا ولا تنظر الأطلال من دونهم . فإن * نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا